أحمد بن محمد المقري التلمساني
364
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وبعد فراق ابني أبي القاسم الذي * كساني ثوب الثّكل لا كان ملبسا أؤمّل في الدنيا حياة وأرتضي * مقيلا لدى أبنائها ومعرّسا « 1 » فآها وللمفجوع فيها استراحة * ولا بدّ للمصدور أن يتنفّسا على عمر أفنيت فيه بضاعتي * فأسلمني للقبر حيران مفلسا ظللت به في غفلة وجهالة * إلى أن رمى سهم الفراق فقرطسا « 2 » إلى اللّه أشكو برح حزني فإنه * تلبّس منه القلب ما قد تلبّسا وهدّة خطب نازلتني عشية * فما أغنت الشكوى ولا نفع الأسا فقد صدّعت شملي وأصمت مقاتلي * وقد هدّمت ركني الوثيق المؤسّسا ثبتّ لها صبرا لشدّة وقعها * فما زلزلت صبري الجميل وقد رسا « 3 » وأطمع أن يلقى برحمته الرضا * وأجزع أن يشقى بذنب فينكسا أبا القاسم اسمع شكو والدك الذي * حسا من كؤوس البين أفظع ما حسا وقفت فؤادي مذ رحلت على الأسى * فأشهد لا ينفكّ وقفا محبّسا وقطّعت آمالي من الناس كلّهم * فلست أبالي أحسن المرء أم أسا « 4 » تواريت يا شمسي وبدري وناظري * فصار وجودي مذ تواريت حندسا « 5 » وخلّفت لي عبئا من الثّكل فادحا * فما أتعب الثّكلان نفسا وأتعسا أحقّا ثوى ذاك الشباب فلا أرى * له بعد هذا اليوم حولي مجلسا فيا غصنا نضرا ثوى عندما استوى * فأوحشني أضعاف ما كان آنسا « 6 » ويا نعمة لمّا تبلّغتها انقضت * فأنعم أحوالي بها صار أبأسا لودّعته والدمع تهمي سحابه * كما أسلم السلك الفريد المخمّسا وقبّلت في ذاك الجبين مودعا * لأكرم من نفسي عليّ وأنفسا
--> ( 1 ) المقيل : المكان ثقيل فيه وقت القيلولة ( نصف النهار عند اشتداد الحر ) المعرس : المكان تنزل فيه ليلا . ( 2 ) قرطس : أصاب الهدف . ( 3 ) رسا : ثبت واستقرّ . ( 4 ) أسا : أصلها أساء - بالهمزة . ( 5 ) الحندس : الظلمة الشديدة . ( 6 ) في ب « ما كان أنّسا » .